محمد محمد أبو ليلة
30
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) ( فصلت : 44 ) . يقول المستشرقان بل ووات إن تعبير " قرأنا عربيّا " يتضمن الإشارة إلى وجود قرآن غير عربى ، وهذا تفسير غريب وتوجيه بعيد لعبارة القرآن ، ولا يوجد مسلم يمكن أن يقول بوجود قرآن غير عربى البتّة ؛ وأين هو يا ترى هذا القرآن غير العربي ؟ وفي أي لغة يكون ؟ واللّه تعالى يقول : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) ( الإسراء : 88 ) ، فمثلية القرآن كمثلية منزّله تعالى ممتنعة في الواقع وفي التصور الصحيح . والآيات التي تتحدث عن عربية القرآن إنما تعنى الإلزام والإعلان ؛ إلزام للعرب بأنه جاء بلغتهم وخاطبهم بلسانهم وهم يفهمون مراده ، فوجب عليهم إذن تصديقه ، وأما الإعلان ففي تقرير المولى بأنه أرسله بلسان عربى مبين ، بلغ الكمال في لغته وفي لغات العالمين ، وأن القرآن لا يوجد مثله ، لا في العربية ولا في غيرها من اللغات ، وما كان لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولا غيره إذن أن يفترى هذا القرآن من دون اللّه ، لأنه لا يمكن أن يفترى أصلا . ونلقى الآن مزيدا من الضوء على كلمة " قرآن " في أصلها اللغوي ، اختلف العلماء في مفهوم الاسم ، هل هو اسم علم خاص بكلام اللّه تعالى وغير مشتق من شيء أصلا ، أم أنه اسم مشتق من " القرى " تقول : " قريت الماء في الحوض " أي جمعته ، وعليه يكون القرآن بمعنى المجموع . يقول الراغب الأصفهاني ( ت : 425 ه / 1033 م ) : " وليس يقال ذلك لكل جمع ، فلا يقال : قرأت القوم أي جمعتهم " . والزركشي لا يمنع ذلك في أصل اللغة ، وإن كان ممتنعا في العرف والاستعمال ؛ لذلك توسع الهروي في تعريف الكلمة فقال : " كل شيء جمعته ، فقد قرأته " . ويبين لنا أبو عبيدة السبب في إطلاق اسم " القرآن " على كلام اللّه تعالى بخاصة فيقول : " سمى القرآن بهذا اللفظ إما لأنه جمع السور بعضها إلى بعض ، وإما لأن القرآن